صالون قرطبة الثقافي – العسكر و الدولة

لماذا كثر الحديث عن تحجيم دور العسكر في الدساتير و القوانين المخلتفة منذ ما يقرب من 200 عام فقط؟ لماذا لم يثر هذا النقاش قبل هذا؟ ما هي القواعد و الأسس التي يجب أن تحكم العلاقة بين المجتمع و الجيش؟ ما الذى يتخوف منه السياسيون عند التعامل مع العسكريين؟ ما هى حدود طاعة الأوامر؟ لماذا يصدر التعذيب عن العسكريين أكثر من غيرهم؟ هل تنمي التربية العسكرية العنف و القسوة أم أن العنف و القسوة أشياء موجودة في النفس الإنسانية سواء كانت لشخص عسكري أم مدنى؟

في هذا الوقت من تاريخ مصر الذى يثور فيه الجدل عن دور العسكر في الدولة الجديدة و عن حدود تدخل العسكر في الأمور المدنية و العكس، سألقى محاضرة في صالون قرطبة لهذا الشهر نناقش فيها النظرة السياسية للجيوش و تطور هذه النظرة عبر التاريخ و نحاول أن نفهم القيم و الأفكار السائدة في الجيوش و سبب ظهور هذه الأفكار.
أيضا سنستعرض كيفية تعامل المجتمعات المختلفة في الماضي و الحاضر مع للجيش و القوانين التى تحكم العلاقة بين الجيش و الدولة في مخلتف الدول، محاولين أن نفتح أفاقاً و نرسم تصورات للعلاقة التى نتمناها بين الجيش و الدولة في مصر و القوانين التى تحكم و تنظم هذه العلاقة.

فى انتظاركم جميعا الساعه الرابعه و النصف عصرا بمقرنا: 18 شارع الانصار بالدقى بجوار محطه مترو البحوث الدور الثانى شقه 10

الإيفنت علي فيس بوك.

العسكر و الدولة

في أيطاليا هناك نهر يسمى الروبيكون Rubicon يقع شمال روما يتميز بأن مياهه حمراء اللون بسبب الطمى الذي تحمله مياهه و من هنا جاء إسمه الذي يعنى (الياقوتي). في الدولة الرومانية القديمة كان هناك قانون يقضي بأن القائد العسكرى العائد من المعركة يترك جيوشه علي ضفة هذا النهر ثم يعبره بدون جنوده و يدخل روما ليقدم تقريره لمجلس الشيوخ، بعدها يدخل الجيش بدون قائد. إن عبر القائد النهر بجنوده فهذا يعتبر إنقلاب، حتى إن لم يدخل القائد روما، الروبيكون هو نقطة اللاعودة و عبوره بالجنود يساوى إعدام القائد و معاقبة الجنود.

هذا قانون من أقدم القوانين التى تنظم العلاقة بين الجيش و الدولة، أول قانون يهدف لمنع الجيش من التدخل في شئون الدولة أو المشاركة في أي عمل مدنى بفصل الجيش عن قيادته (أو بعبارة أخرى تفكيك الجيش) قبل دخولهم روما. من ناحية أخرى يمكن التفكير في هذا القانون علي أنه يجعل من النهر حاجزاً نفسىاً يمنع القادة من التفكير في الإنقلاب العسكرى، و مازالت عبارة (عَبَر الروبيكون) تستخدم في الثقافة الغربية حتى اليوم للتعبير عن الشخص الذي فعل فعلاً لا يمكن الرجوع فيه.

الشخص الذى جرؤ علي عبور الروبيكون بجنوده و القيام بإنقلاب عسكرى في روما كان يوليوس قيصر، و هي حادثة مؤثرة بشكل أساسى في الفكر السياسى الغربى الحديث، بداية من روبسبيير أشهر قادة الثورة الفرنسية التي أنشأت أول جمهورية في العصر الحديث،و الذى تحدث عن هذا الحادثة في أكثر من موضع و تساءل عما جعل قيصر يجرؤ علي عبور الروبيكون بجنوده، و بداية من هذه النقطة فكر السياسيون في القوانين التى تنظم علاقة الدولة بالجيوش و تمنع تكرر مثل هذا السلوك في المستقبل.

تحدثت في مقال سابق عن القواعد التى يتم تطبيقها داخل النظم العسكرية لمنع إنفراد العسكريين بالسلطة، و هنا أتحدث عن القواعد التى يتم تطبيقها من خارج المؤسسة العسكرية، القواعد التى يضعها المجتمع و الهيئات الرقابية و التشريعية لتنظيم علاقة المؤسسة العسكرية بالدولة و المجتمع. Continue reading

عن النظم العسكرية نتحدث

شكل الدولة الحديثة القائم في كثير من دول العالم اليوم قائم علي عدة أفكار أو مباديء ثابتة يعتبرها الكل من المسلمات.من ضمن هذه المباديء علي سبيل المثال مبدأ مسئولية الدولة عن توفير إحتياجات الناس. إن إنقطعت المياه أو الكهرباء فإن الناس تلوم الحكومة، إن لم تتوافر الخدمة الطبية يلوم الناس الحكومة، الخ. هذا مبدأ غير موجود مثلاً في المجتمعات القبلية حيث لا يوجد هيئة بعينها مسئولة عن توفير إحتياجات الناس.

من ضمن المباديء التي جاءت بها الدولة الحديثة فكرة (مركزية العنف)، بمعني أن هناك هيئات معينة من حقها أن تملك و تستخدم السلاح، هذه الهيئات هي الشرطة و الجيش. هذا العنف يفترض أن يوجه إلي أعداء الدولة أو الخارجين علي القانون.

معني (مركزية العنف) أنه ليس من حق المواطنين حيازة السلاح، و خصوصاً الأسلحة الثقيلة مثل الدبابات و الطائرات الحربية، هذه الأشياء تصير حكراً علي فئة معينة فقط هي الهيئات العسكرية، و هي تجمع لعدد كبير من الأفراد المنظمين الذين يصير من حقهم التدرب علي إستخدام السلاح و القتال.

Continue reading

القنبلة الذرية كتجربة إنسانية

حين تفكر في القنبلة الذرية يمكنك أن تفكر بها من عدة وجهات نظر. من الممكن أن تنظر لها علي أنها مأساة و نموذج لوحشية الإنسان أو يمكنك أن تنظر لها علي أنها إنجاز علمي رائع خرج من عقول عبقرية. كثيرون فعلوا هذا من قبل لذا لن أتحدث هنا من هذا المنطلق. تمثل الحرب العالمية مرحلة مليئة بالتجارب الإنسانية و المواقف التي لا يمكن أن تحدث في خيال أعتي العقليات جموحاً و الجزء المتعلق بالقنبلة الذرية ليس إستثناءاً.

في هذا المقال سأحاول أن أركز علي القنبلة الذرية كتجربة إنسانية. رحلة إنتاج القنبلة الذرية و إستخدامها فيما بعد مليئة بالمواقف و النقاط التي تلقي الضوء علي كيفية تصرف البشر عموماً و التي لم يركز عليها الكثيرون من قبل لذا سأحاول أن أتعرض لها هنا. Continue reading

التأثير النفسي للحرب

في عام 1928 نشر الأديب الألماني (إيريك ماريا ريماركيه) روايته الشهيرة (كل شيء هاديء علي الجبهة الغربية) التي إنتقد فيها الحرب العالمية الأولي. علي قدر علمي كانت هذه أول رواية تعرض فكرة الإنفصال التام الذي يشعر به الجنود العائدون من الجبهة بعد حرب طويلة عن المجتمع المدني. ربما كان نمط الحياة المختلف أو البعد عن المجتمع لفترة طويلة مبرراً منطقيا لما وصفه الكاتب إلا أن الأمر يتجاوز هذا المستوي للأسف هذه الأيام.

حين قامت أمريكا بغزو العراق ظهرت بعض المقالات التي تتحدث عن ظاهرة غريبة. الجنود يشتاقون للخروج من هذا الجحيم، حيث السيارات المفخخة، عمليات الإغتيال التي يقوم بها قناصة المقاومة العراقية، حوادث إختطاف الجنود، الخ. حين يعودون إلي الوطن في أجازة قصيرة يجدوا أنفسهم يشتاقون للعودة ثانية إلي العراق التي كانوا يحلمون بالبعد عنها !

عثرت منذ بضعة أيام علي مقال مثير كتبه أحد الجنود الأمريكيين بعد عودته من العراق بعام و نشرته مجلة إسكوير يتعرض لهذه النقطة بالكثير من التفصيل. سأقوم هنا بترجمة مقتطفات من المقال و يمكن لم يريد ان يقراه كاملاً أن يقرأه علي موقع المجلة هنا. Continue reading

عن نفسية الجندي الأمريكي نتحدث

نبدأ موضوعنا بالحديث عن تجربة شهيرة في علم النفس هي تجربة السجن التي اجريت في جامعة ستانفورد عام 1971. في هذه التجربة حاول عالم النفس الشهير فيليب زمباردو أن يقيس تأثير البقاء رهن الإحتجاز علي نفسية البشر، و حاول أن يقيس سلوك المساجين و الحراس في السجن.

في هذه التجربة تم نشر إعلان في الجرائد من أجل طلب المتطوعين للتجربة. الإعلان قال إن أجر المتطوع 15 دولار (75 دولار بمقاييس اليوم) و قد تقدم ما يزيد عن السبعين متطوعاً تم إختيار 24 شخص منهم. الأشخاص الذين تم إختيارهم هم الأشخاص الطبيعيين الي اقصي درجة ممكنة (ذكر ابيض متوسط المستوي الإجتماعي بلا اي سابقة جنائية و لم يعرف عنه اي قدر من العنف). تم تقسيم هذه المجموعة الي حراس و مساجين عشوائياً عن طريق عملة معدنية (ملك و كتابة). Continue reading