أخطاء كلاسيكية

أحد المفاهيم الأساسية التي تعلمتها في بداية معرفتي بعلم هندسة البرمجيات كان مفهوم (الأخطاء الكلاسيكية). هي أخطاء تتكرر علي مر السنين و هي أخطاء مغرية، أفعال تبدو للنظرة الأولي بديهية و منطقية إلا أنه بعد شيء من التفكير العميق و قراءة تاريخ مشروعات البرمجيات – إن كان يمكن إستخدام كلمة تاريخ عند الحديث عن علم وليد مثل علم البرمجيات – تكتشف أن هذه الأفعال هي أخطاء كارثية.

أحد هذه الأخطاء علي سبيل المثال هو زيادة عدد المبرمجين عندما يتأخر المشروع عن الوقت المحدد لإنهاؤه. الأمر يبدو بديهي تماماً، زيادة عدد المبرمجين تعني زيادة الإنتاج مما يؤدي إلي تقليل الوقت المطلوب للإنتهاء من المشروع و تدارك تأخره عن الموعد المحدد لإنهاؤه.
المشكلة أن البرمجة نشاط يحتاج الكثير من التواصل بين المبرمجين، لا يمكن أن يقوم كل بواجبه بشكل منفصل بل لابد من الكثير من التواصل بين المبرمجين لكي يكتب كل منهم جزء من كود البرنامج يتعامل مع الكود الذي كتبه زملاؤه. عبء التواصل يزيد بشكل أسّي exponential مع زيادة عدد المبرمجين، أي أن عبء التواصل المطلوب في فريق من سبع مبرمجين أكثر من ضعف عبء التواصل في فريق من خمس مبرمجين.

بالتالي زيادة عدد المبرمجين عندما يتأخر المشروع هو نوع من سكب البنزين علي النار المشتعلة بالفعل.

هذه الفكرة عرفت لأول مرة عام 1975 و حتي اليوم يقع فيها عدد محترم من مديري المشروعات. الكتاب الذي عرفت عن طريقه فكرة (الأخطاء الكلاسيكية) كان يضم 32 خطئاً كلاسيكياً في صناعة البرمجيات.

لفترة ظللت أفكر في الموضوع في نطاق أدارة مشروعات البرمجيات، و لكن تدريجياً إنتبهت لأنها مشكلة بشرية عامة. لو تتبعت التاريخ لوجدت الكثير من الأفعال التي تبدو بديهية منطقية إلا أن بعض التدقيق و الكثير من قراءة التاريخ يخبرونك أنها كارثية. Continue reading

محاكمات نورمبرج

قبل نهاية الحرب العالمية الثانية ظهرت في أذهان الحلفاء فكرة محاكمة قادة المحور إن تم القبض عليهم. كان ستالين يري أن يتم إعدام ما بين 50 الف إلي مائة الف ضابط و جندي من الجيش الألماني عقاباً لهم علي ما إقترفوه. في البداية سخر روزفلت من الأمر و قال لا داعي لإعدام 50 الف ضابط، يكفي أن نعدم 49 الفاً فقط. فيما بعد حين رأي كم الدمار الذي ألحقه النازييون بالإتحاد السوفيتي بدأ روزفلت يتقبل الفكرة.

تشرشل لم يتقبل فكرة قتل جندي كان يدافع عن بلاده، و لكنه كان يري أن يتم إعدام القادة فقط، نأخذهم إلي مكان معزول و نطلق عليهم النار جميعاً، مستخدماً أحد بنود القانون الإنجليزي الذي يسمح بقتل من يرتكبون جرائم الخيانة في حق بلادهم بدون محاكمة.

في سبتمبر 1944 فكر الأمريكيون في خطة لقتل قدرة ألمانيا علي بدء الحروب في المستقبل بعد سقوطها (لم تكن الحرب قد إنتهت و لكنها كانت قد قاربت علي الإنتهاء). الخطة وضعها وزير المالية الأمريكي هنري مورجانتو و عرفت بإسم خطة مورجانتو و هي خطة تستهدف السيطرة علي الأقاليم الألمانية التي تحتوي علي مواد خام و تحويل ألمانيا إلي دولة زراعية و رعوية و تدمير مصانعها. تسربت الخطة للصحفيين الذين تسببوا في تقليب الرأي العام الأمريكي و إستغلها جوبلز وزير الدعاية النازي في الهجوم الإعلامي علي الحلفاء. Continue reading

Arbeit Macht Frei

“العمل يجعل الإنسان حراً”.

العبارة السابقة قد يكون من المنطقي أن تراها في كتاب من كتب التعليم الإبتدائي المصممة ببراعة لغرس الغباء في عقول الصغار، أو قد تسمعها في خطبة أعدت للإستهلاك المحلي من قبل أحد السياسيين، و لكنها لم تظهر في هذا أو ذاك. العبارة كانت مكتوبة بالألمانية (Arbeit Macht Frei) علي أبواب معسكرات الإعتقال النازية التالية: داخاو، أوشفيتز، تيريزين و ساخسنهاوزن. معسكر بوخانفالد كان مختلفاً، فقد حملت بوابته العبارة اللاتينية “لكل ما يستحقJedem das Seine” و التي كانت أحد مباديء العدالة في الثقافة اليونانية القديمة. ربما تحقق هذا المبدأ فعلياً حين إستولي السوفيت علي المعسكر و سجنوا فيه الألمان. Continue reading

فالكيري

شاهدت منذ فترة فيلم فالكيري من بطولة توم كروز و إخراج براين سينجر. فالكيري هو إسم العملية العسكرية التي كانت تهدف لإسقاط الرايخ الثالث عن طريق قتل هتلر ثم القيام بإنقلاب عسكري، و هي المؤامرة المعروفة بإسم مؤامرة الجنرالات. خرجت من السينما و أنا أشعر أن الفيلم جيد، ليس متميزاً و ليس سيئاً كذلك. لم تكن لدي معلومات كثيرة عن محاولة إغتيال هتلر، و بالصدفة عثرت علي فيلم وثائقي عن الموضوع. بعد مشاهدة الفيلم الوثائقي إكتشفت أن فيلم فالكيري كان سيئاً. القصة الأصلية بها الكثير من النقاط التي تدفع للتأمل و التفكير، و هي نقاط أهملها الفيلم تماماً و ركز علي محاولة الإغتيال نفسها بشكل سطحي، دون مناقشة الدوافع أو النتائج التي ترتبت علي هذه العملية.

سأحاول هنا أن أتعرض لهذه النقاط الهامة التي أهملها الفيلم. Continue reading

الديمقراطية و الجماهير التي لا عقل لها

كانت الإمبراطورية الرومانية هي أول من قدم نظام الإنتخابات الديمقراطية للعالم، و هو النظام الذي أخذته أمريكا و معظم الدول الديمقراطية اليوم و طبقته دون الكثير من التغييرات الجوهرية. كان نظاماً قائماً علي أن ينتخب الشعب عدد من الأشخاص (عادة ما يكونوا من الأثرياء و علية القوم) ليكونوا أعضاءاً في مجلس الشيوخ. هذا المجلس كان يقوم بالتصويت علي القرارات الهامة في الدولة و يتم إتخاذ القرار بالأغلبية. Continue reading