أخطاء كلاسيكية

أحد المفاهيم الأساسية التي تعلمتها في بداية معرفتي بعلم هندسة البرمجيات كان مفهوم (الأخطاء الكلاسيكية). هي أخطاء تتكرر علي مر السنين و هي أخطاء مغرية، أفعال تبدو للنظرة الأولي بديهية و منطقية إلا أنه بعد شيء من التفكير العميق و قراءة تاريخ مشروعات البرمجيات – إن كان يمكن إستخدام كلمة تاريخ عند الحديث عن علم وليد مثل علم البرمجيات – تكتشف أن هذه الأفعال هي أخطاء كارثية.

أحد هذه الأخطاء علي سبيل المثال هو زيادة عدد المبرمجين عندما يتأخر المشروع عن الوقت المحدد لإنهاؤه. الأمر يبدو بديهي تماماً، زيادة عدد المبرمجين تعني زيادة الإنتاج مما يؤدي إلي تقليل الوقت المطلوب للإنتهاء من المشروع و تدارك تأخره عن الموعد المحدد لإنهاؤه.
المشكلة أن البرمجة نشاط يحتاج الكثير من التواصل بين المبرمجين، لا يمكن أن يقوم كل بواجبه بشكل منفصل بل لابد من الكثير من التواصل بين المبرمجين لكي يكتب كل منهم جزء من كود البرنامج يتعامل مع الكود الذي كتبه زملاؤه. عبء التواصل يزيد بشكل أسّي exponential مع زيادة عدد المبرمجين، أي أن عبء التواصل المطلوب في فريق من سبع مبرمجين أكثر من ضعف عبء التواصل في فريق من خمس مبرمجين.

بالتالي زيادة عدد المبرمجين عندما يتأخر المشروع هو نوع من سكب البنزين علي النار المشتعلة بالفعل.

هذه الفكرة عرفت لأول مرة عام 1975 و حتي اليوم يقع فيها عدد محترم من مديري المشروعات. الكتاب الذي عرفت عن طريقه فكرة (الأخطاء الكلاسيكية) كان يضم 32 خطئاً كلاسيكياً في صناعة البرمجيات.

لفترة ظللت أفكر في الموضوع في نطاق أدارة مشروعات البرمجيات، و لكن تدريجياً إنتبهت لأنها مشكلة بشرية عامة. لو تتبعت التاريخ لوجدت الكثير من الأفعال التي تبدو بديهية منطقية إلا أن بعض التدقيق و الكثير من قراءة التاريخ يخبرونك أنها كارثية. Continue reading

ميكانزمات دفاع

 

لينينجراد تحت الحصار 1942

لينينجراد تحت الحصار 1942

 

سبتمبر 1941، لينينجراد، الإتحاد السوفيتي.

سحابة من التراب الأبيض تعلو المدينة في منظر خلاب، خصوصاً وذرات التراب الدقيقة تتلألأ في ضوء الشمس الغاربة. كانت هذه السحب مزيج من الدقيق والسكر المتناثرين من مخزن السلع التموينية الخاص بالمدينة بعد أن قصفه النازيون. خيمت هذه السحابة على المدينة طوال الليل ثم حملتها رياح البلطيق بعيداً في الصباح. لم يتبق شيئاً لإطعام المدينة ذات الثلاث ملايين مواطن.

استمر حصار النازيين لليننجراد لتسعمائة يوم بالتمام والكمال، انخفض فيها نصيب الفرد من الطعام الي 125 جرام من الخبز فقط لا غير يومياً. انقطعت المياه وانعدم الوقود ووسائل التدفئة. في خلال شهري يناير وفبراير 1942 فقط، مات مائتي ألف شخص من الجوع والبرد والأمراض. مجموع من ماتوا من سكان المدينة في خلال التسعمائة يوم كانوا تقريباً 750 ألف شخص، على الرغم من هذا لم يتوقف الإنتاج الحربي في المدينة ولم تستسلم أو تسقط في يد النازيين.

Continue reading

الإسلاميون و السياسة

منذ ما يقرب من عشر سنوات قرأت كتاب (كيف ندعو الناس) لمحمد قطب. فكرة الكتاب الرئيسية أنه يرفض ما يقوم به الإسلاميون من ممارسة السياسة و دخول المجالس النيابية و المحلية، لأنه يري أن الناس فكرياً مازالت ضائعة، لا يعرفون أفكاراً أساسية في الإسلام (مثل فكرة تحكيم شرع الله) و تملأ عقول الكثير منهم الكثير من الأفكار الإجتماعية الخاطئة. كان محمد قطب يري أن الإسلاميين عليهم أن يصلوا بالناس لدرجة معينة من الوعي الديني قبل أن يتحركوا سياسياً.

الفكرة لم ترق لي لأني لم أر تعارضاً بين هذا و ذاك. يمكن للإسلاميين أن يدخلوا المجالس المحلية و النيابية و يحققوا ما يمكنهم من خير للناس علي المستوي السياسي و المعيشي من خلال مشروعات قوانين، تنغيص عيش المسئولين الفاسدين بالإستجوابات و طلبات الإحاطة، الخ، و في نفس الوقت يمكنهم أن ينموا عقول الناس و فكرهم و وعيهم علي المستوي الديني و غير الديني. الخطأ فقط يحدث إن تم التركيز علي جانب و إهمال الآخر.
Continue reading

صالون قرطبة الثقافي – العسكر و الدولة

لماذا كثر الحديث عن تحجيم دور العسكر في الدساتير و القوانين المخلتفة منذ ما يقرب من 200 عام فقط؟ لماذا لم يثر هذا النقاش قبل هذا؟ ما هي القواعد و الأسس التي يجب أن تحكم العلاقة بين المجتمع و الجيش؟ ما الذى يتخوف منه السياسيون عند التعامل مع العسكريين؟ ما هى حدود طاعة الأوامر؟ لماذا يصدر التعذيب عن العسكريين أكثر من غيرهم؟ هل تنمي التربية العسكرية العنف و القسوة أم أن العنف و القسوة أشياء موجودة في النفس الإنسانية سواء كانت لشخص عسكري أم مدنى؟

في هذا الوقت من تاريخ مصر الذى يثور فيه الجدل عن دور العسكر في الدولة الجديدة و عن حدود تدخل العسكر في الأمور المدنية و العكس، سألقى محاضرة في صالون قرطبة لهذا الشهر نناقش فيها النظرة السياسية للجيوش و تطور هذه النظرة عبر التاريخ و نحاول أن نفهم القيم و الأفكار السائدة في الجيوش و سبب ظهور هذه الأفكار.
أيضا سنستعرض كيفية تعامل المجتمعات المختلفة في الماضي و الحاضر مع للجيش و القوانين التى تحكم العلاقة بين الجيش و الدولة في مخلتف الدول، محاولين أن نفتح أفاقاً و نرسم تصورات للعلاقة التى نتمناها بين الجيش و الدولة في مصر و القوانين التى تحكم و تنظم هذه العلاقة.

فى انتظاركم جميعا الساعه الرابعه و النصف عصرا بمقرنا: 18 شارع الانصار بالدقى بجوار محطه مترو البحوث الدور الثانى شقه 10

الإيفنت علي فيس بوك.

الثورات و الطفولة الفكرية

كانت هناك معضلة في الفكر السياسي الغربي هي : كيف يمكننا أن نزيح الملك بعد أن نصبناه ملكاً (يملك الأرض و الناس)؟ كيف نزيح شخص هو الذى له الحق في أن يزيحنا بالقتل أو السجن إن خالفنا القانون مثلاً؟ كانت الفكرة الرئيسية في كتاب العقد الإجتماعى لجان جاك روسو، هي أن العلاقة بين الحاكم و المحكومين هي نوع من العقد الذي له شروط، إن خالفها الحاكم يعتبر العقد لاغياً و بالتالي لا يصبح حاكماً. تفصيل هذه الشروط طويل و لكن يمكن تلخيصه في أن يحافظ الحاكم علي مصالح الدولة و الناس.

كانت هذه الفكرة فكرة جديدة تماماً علي الفكر السياسى الغربي، و علي أساسها قامت الثورة الفرنسية. ماكسمليان روبسبيير، أبرز قادة الثورة الفرنسية، لم يكن يفارق الكتاب، يصحبه معه في كل مكان و يعيد قرائته بإستمرار. فكرة العقد الإجتماعي مازالت مؤثرة في الفكر السياسي حتي اليوم و لاقت الكثير من العرض و التحليل من الكثيرين، و لكن هناك أفكار أخرى هامة في الكتاب لم تلاقي نصيباً من التحليل و العرض، أحدها هي الفكرة الأساسية في هذا المقال. Continue reading