الأدب و رسالته: الفضيلة و نشر الرذائل و هذه الأشياء اللطيفة المماثلة

Stephen King't The Stand cover art

هذا المقال لا يقدم أي إجابات، فقط يثير التساؤلات بشيء من التحليل و العمق، إن كنت تنتظر إجابة في النهاية من نوعية (يجب فعل كذا ولا يجب فعل كذا) فيمكنك أن تتوقف عن القراءة هنا.

هذا المقال بمناسبة الجدل الذي دار حول مسلسل سابع جار، و عن قضية الفن الذي يظهر أنه من المألوف في الطبقة الوسطي القيام بالموبقات بدون مشاكل أو نقد أخلاقي، و هو رأي الناس التقليدية المحافظة أو ذوي التوجه الديني.

في المقابل فإن الرأي العام عند المثقفين و متذوقي الآداب و الفنون أن الفن و الأدب لا يحمل رسالة أخلاقية، لا يجب أن يمدح الصواب و ينتقد الخطأ ولا أن يحمل أي رسالة من أي نوع.

في كتابه عن الكتابة On Writing قال ستيفن كينج أنه كان و مازال يقتنع أن الخير ينتصر في النهاية و أن هذا مؤثر علي كتاباته، بالتالي في كل رواياته ينتصر الخير علي الشر. هذه حقيقة كفيلة بأن تحرق لك معظم روايات كينج، ربما يموت بعض الأخيار أو الأشرار أو يصابوا بمختلف المشاكل إلا أن جانب الخير ينتصر في النهاية. الإستثناء لهذه القاعدة روايتين (لن أقول إسمهم) وجد كينج أن مسار الأحداث لابد و أن ينتهي بهم بهزيمة الخير، لا مجال لأن ينتصر الخير في هذه الروايات بأي حال. هذا إعتراف شديد الشجاعة و الذكاء، و هو ينطوي علي حسن إدراك للنفس في مقابل التصرف المنطقي من الناحية الأدبية و بناء الرواية، هو لم يحاول أن يلوي الرواية لتتماثل مع قناعاته. هذا يذكرنا بما يقوله بعض الأدباء عن أن الرواية لها كيان خاص بها و ما أن يبدأ الكاتب في الكتابة حتي تتشكل الأحداث و الشخصيات بشكل يخرج عن تحكمه الواعي بالأمر.

لكن هناك نقطتين هنا:

النقطة الأولي هو أنه بالرغم من أن ستيفن كينج يري أن الخير ينتصر في النهاية إلا أن تعريف الخير يختلف عن التعريف السطحي لمن ينادون بأن العمل يجب أن يكون له أساس أخلاقي حيث الشخص الخير هو شخص ملتزم مهذب لا يخطيء أخطاء ضخمة، الخ. الخير بالنسبة لستيفن كينج يتمثل في الأشخاص الذين يحاولون أن يقوموا بالصواب في وجه ظروف أو ميول شخصية و أهواء إنسانية و ضعف بشري طبيعي. لكي تتخيل الموقف، سأتكلم عن رواية المواجهة The Stand (البعض يصنفها علي أنها ملحمة لأنها ضخمة، ١٤٠٠ صفحة من الخط الصغير).

في رواية المواجهة نري البشرية و قد بادت بسبب وباء ما عدا قلة قليلة، شخص أو إثنين في كل مدينة تقريباً. هنا يبدأ الكل في رؤية أحلام تدعوهم للإلتحاق بجانب الخير في مدينة بولدر أو جانب الشر في لاس فيجاس، و تبدأ هجرة الناس في إتجاه من الإتجاهين حتي تقوم المعركة الفاصلة في النهاية بين جانب الخير و جانب الشر. هنا الخير خام، تحت قيادة إمرأة يوحي لها الله (نبية)، و الشر تحت قيادة الشيطان شخصياً. هذا الوصف المخل هو التصور الخام للرواية الأخلاقية حيث ينقسم الناس فعلاً لمعسكرين واضحين و حيث كل شخص يختار معسكره و حيث يتقاتل الخير و الشر في النهاية.

لكن عندما نري الأشخاص الذين إنضموا لهذا الجانب أو ذاك نري تعريف كينج للخير و الشر في النفس البشرية. في جانب الخير نري الفتاة التي حملت بدون زواج، نري مغني نصف مشهور أضاع أمواله و أدمن الكوكايين و تسبب في الكثير من الإحباطات لأهله و من أحبوه، نري مراهق مغرور مزعج، الخ. لكن الرابط بينهم أنهم يحاولون أن يقوموا بالصواب حتي و إن أخطأوا كثيراً في حياتهم. في جانب الشر نجد بعضاً من أولئك الذين حاولوا أن يقوموا بالصواب أحياناً لكن في النهاية تغلب عليهم دوافعم حتي ينضموا لجانب الشر، حتي أننا نجد من إستسلمت لحظياً للشيطان و قامت بالتواصل معه ثم ندمت علي ما فعلت، لم تستطع أن تتغلب علي ميولها و فعل ما تمليه عليها ميولها الخيرة في مقابل أهواء الشر في نفسها فإنتحرت في النهاية لكي تمنع نفسها من أن تكمل في الطريق الخطأ!

بالتالي حتي في الرواية التي قد تبدو كليشيهية لل(معركة بين الخير و الشر) نري الناس و قد ظهرت فيهم كل النزعات الإنسانية العادية ولا نجد الشخصيات الكليشيهية التي يتوقع المرء أن يراها في رواية كهذه.

النقطة الثانية و التي قد تبدو أكثر أهمية هنا هي أن ستيفن كينج غزير الإنتاج بدرجة مرهقة لمن يحاول أن يتابعه. وقتها كانت أفكار التسويق الخاصة بالماركة Brand تسيطر علي فكر الناشرين الأمريكيين، حيث يمثل الأديب ماركة لا يجب أن يتشبع بها السوق أكثر من اللازم، لهذا رفض ناشر كينج أن ينشر له بمعدل كتابته. بالتالي إقترح كينج أن ينشر رواياته بإسم مستعار هو ريشتارد باكمان. يقول كينج أنه عندما بدأ في الكتابة بإسم مستعار سقط القيد الأخلاقي من نفسه، و خرجت رواياته ينهزم فيها الخير في النهاية بمنتهي السهولة (أنا قرأت أربعة روايات منشورة بإسم ريتشارد باكمان ينهزم فيها الخير، ثلاثة بشكل كامل ساحق). شخصياً أفضل رويات كينج التي نشرها بإسم ريتشارد باكمان علي تلك التي نشرها بإسمه. الطريف أنه عندما تم إكتشاف أن ريتشارد باكمان هو كينج تضاعفت مبيعات نفس الروايات أربع مرات ! لكن هذا ليس موضوعنا هنا.

بالتالي حين غير إسمه سقط القيد الأخلاقي عن كتابات كينج بدون أن يشعر، و إستطاع في رأيي أن يخرج بروايات لم يكن لها أن تخرج بقيوده الأخلاقية، و هي روايات عميقة بقدر كبير في رأيي.

عموماً العامل الأساسي في إنتشار الأدب و الفن هو أن يعجب الناس و يثير مشاعرهم و أفكارهم، و إعجاب الناس ليس له علاقة بالصواب و الخطأ ولا بحسن أو سوء التعبير عن الواقع من الأصل. الواقع ليس فيه مدرسة سحر مثل روايات هاري بوتر و ليس فيها أطفال يقومون بصنع مجتمع خاص بهم كما في رواية ملك الذباب لجولدنج (الحائز علي نوبل في الأدب). تصوير الواقع ليس له علاقة بأن تروق لك الرواية، سواء كانت رواية خفيفة تبيع ملايين النسخ أو رواية ثقيلة يحللها المختصين بإنبهار و يصفنها جمهور التايم و ال BBC ضمن أهم الأعمال الأدبية في العالم.

بالتالي القول بأن الطبقة الوسطي ليست كما يصورها المسلسل هو شبيه بالإعتراض علي أن السيارة لا تطير، لم يقل أحد أن من عوامل جودة أي أدبي أو فني تصوير الواقع (إلا لو كان هذا الواقع بعيد عن إدراك الناس كما يصور مثلاً فيلم حياة الفقراء في الهند للمشاهد الغربي).

هناك أيضاً مشكلة في العكس، أن يخرج الكاتب أو الفيلم بما ليس في الواقع فيتخيل الناس أنه الواقع، مثلما يتزوج المرء منتظراً حياة عاطفية شبيهة بفيلم تايتنك مثلاً. الرد أحياناً يكون بأن من عوامل جودة العمل الأدبي أن يرسم لك الكمال، الذي يعرف الناس كلهم أنه غير موجود لكن يسعون للإقتراب منه، الحب المكتمل،كمال التضحيات و البطولة التي لا يشوبها أي ضعف إنساني، الخ. المشكلة أن هذا يحتاج وعي من المتلقي بهذا، وعي عقلي و نفسي.

من ضمن التعليقات المثيرة للتفكير تعليقات الإسلاميين علي أن هذا لا يمثل حياتنا، لا يمثل أسرتي و أهلي و جيراني. لو تجاوزنا عن أن الأدب ليس عليه تمثيل الواقع أصلاً، فهناك حقيقة لطيفة أنه لا يوجد إنتاج للإسلاميين يعبر عنهم، دائماً من يتكلم عنهم في عمل أدبي أو فهني هو شخص من خارجهم. الإسلاميين لا ينتجون الأدب ولا يستهلكونه تقريباً.  هذه من الأشياء التي صرت أفكر فيها مؤخراً، أن هناك مجتمعات لا تخرج بإنتاج إنساني معين إطلاقاً. هولندا مثلاً أخرجت عشرات الرسامين. إن لم تكن تعرف هولندا عن قرب فأنت تعرف فقط فان جوخ و رامبرانت و ربما فيرميير. لكن عندما جئت هولندا ذهلت بكم الرسامين الذين خرجوا من هذا البلد، متحف لوحات كل عشرة أمتار، و بسهولة تجد متحف للوحات نفس الفنان في عدة مدن لإن إنتاجهم الفني كان شديد الغزارة حتي أن إنتاج فنان واحد يمكن أن يكون نواة لأكثر من متحف موزعة في أنحاء هولندا. علي الجانب الآخر هولندا لم يخرج منها أي معماريين مشهورين، عمارتهم متكررة لدرجة الملل (أي مدينة صغيرة كانت أو كبيرة أو حتي قرية مركزها كنيسة قديمة و كل هذه الكنائس تشبه بعضها، بيوتهم القديمة متشابهة، الخ). لم يخرج من هولندا أي فلاسفة مشهورين سوي سبينوزا، لم يخرج منهم موسيقيين، نحاتين، أدباء لا شيء. قارن هذا بألمانيا مثلاً التي كانت متزنة نسبياً فخرج منها موسيقيين و فلاسفة و أدباء و معماريين، أو إيطاليا التي خرج منها نحاتين و موسيقيين و رسامين و معماريين و أدباء و فلاسفة، الخ.

بالتالي الموضوع موجود في أماكن أخري من العالم لكن مع فارق أن الهولنديين يستهلكون الموسيقي و الأدب مثلاً حتي و إن لم ينتجوه، لكن الإسلاميين لا ينتجون ولا يستهلكون الأدب، و هو ما يمكن أن يفسر أرائهم السطحية فيما يتعلق بالأدب والفنون عموماً. يمكن بسهولة أن تنتقد تصميم الدراجات الهولندية لكن لا تتوقع أن تصمد إنتقاداتك لخمس دقائق أمام أي شخص قاد دراجة في الطرق الهولندية بتسطيحها و مطرها و نمط الحياة الهولندية.

أحد المشاكل التي لا يتعرض لها الفكر الإسلامي كثيراً هو التصرف حيال الأعمال التي لا تتوافق مع الفكر الإسلامي، فلا تتوقع مثلاً أن تكون الأعمال الأدبية التي خرج بيها غير المسلمين متوافقة مع ما يقبله المسلم، لابد أن بها الكثير من الجنس، شرب الخمر، الخ. الرد الجاهز السهل هو عدم إستهلاك هذه الأشياء.
لكن في المقابل هذه الأشياء تضم الكثير من الأفكار و المشاعر تجاه الكثير من القضايا الإنسانية و الحياة ككل و ترفع من قدرة الإنسان عموماً كشخص له دور في مجتمع كبير، لا يمكن أن تهمل الأثر الإيجابي و عمق الفكر الذي يمكن أن ينتج عن إستهلاك الأدب و الفنون عموماً. لكن هنا نجد أن الفكر الإسلامي حين يتكلم مثلاً عن الضرورات فإنه يتكلم عن ضرورات مادية لحفظ النفس و المال مثلاً ولا يتكلم عن كل ما يمكن أن يصنف بناء الشخصية، هذه من الأشياء التي تحظي بأقل مناقشة في الفكر الإسلامي عموماً، غالباً لإن المسلمين ينظرون لهذه الأعمال علي أنها وسيلة تسلية لا أكثر. في كتاب (تاريخنا المفتري عليه) يشرح القرضاوي كيف أن رواة أحاديث، الناس الذين إعتادوا أن يدققوا في السند و المتن، كانوا عندما يتكلمون عن وقائع تاريخية يقولون (حدثنا فلان بكذا) ثم يقولون أي شيء بدون أدني تدقيق لإن العرب لم ينظروا للتاريخ علي أنه أكثر من تسلية، و لم يعتبروه شيئاً ستبني عليه أفكار و تصورات و أحداث عند أجيال تالية.هذا التاريخ، فما بالك بالأدب؟

دعك من أن هذا الإنفصال عن الأدب و الفنون، بما يشكلونه من عامل أساسي في تكوين أفكار البشر (سلبية كانت أو إيجابية) هو نوع من الإنفصال البيوريتاني. البيوريتانية هي كلمة مشتقة من كلمة نقي pure و البيوريتانية هي فكر إنفصال الأخيار عن العالم الشرير و تكوين مجتمعهم الخاص. الأمر بدأ بالمهاجرين الذين هاجروا لأمريكا، و الذين كان جزء كبير منهم يري أن المسيحية تشوهت في أوروبا فهاجروا لعالم جديد بكر يقيموا فيه عالمهم المثالي. طبعاً الأمر له نتائج كارثية و صارت كلمة البيوريانية سبة.
دائماً ما أري في الإسلاميين و تعاملهم مع الآداب و الفنون هو نوع من البيرويتانية التي و إن لم تهجر جانب ضخم من الحياة و الناس جغرافياً إلا أنها هجرته نفسياً و عقلياً. اللطيف في ما يتعلق بالبيوريتانية و الإسلاميين أنهم و إن لم يسمعوا عن المصطلح و تبعاته إلا أنه من أهم النقاط الفكرية التي تكلم عنها المسيري، بل إن الفكر البيوريتاني في تصور المسيري هو أحد العوامل المشتركة الأساسية بين نشأة أمريكا و نشأة إسرائيل (المهتم يمكن أن يقرأ كتابه الفردوس الأرضي).عموماً العلاقة بين الإسلاميين و المسيري من الأشياء المثيرة للتأمل، حيث يحب الإسلاميون المسيري و يحتفون به بالرغم من أن كثير من أفكاره تطرح تساؤلات عن كثير من أسس الفكر الإسلامي المنتشر، و لا أعرف بصراحة السبب وراء هذا الأمر.

 

إنتهي المقال كما وعدت بدون أي نتيجة من أي نوع…. أنا شخص يفي بوعوده كما يقول د.لوسيفر في روايات أحمد خالد توفيق.

إقرأ أيضاً:

One comment to الأدب و رسالته: الفضيلة و نشر الرذائل و هذه الأشياء اللطيفة المماثلة

  1. يقول علي:

    في سنوات الصدمة الأولى بعد إنتقالي من مصر لأوروبا، أنا الأزهري التعليم القادم من أسرة محافظة إجتماعية ومتدينة تقليديا، أتذكر أنني ذهلت بشدة من تعدد أسفار الشبان الأوروبيين الجامعيين والشابات الجامعيات بين بلدان أوروبا المختلفة وأيضا خارج أوروبا. وأيضا إتقان أغلب ممن قابلتهم لأكثر من لغة أجنبية. اللغة الأوروبية الأم والإنجليزية إتقانهما يأتي عند الكل بلا حاجة للسؤال، لكن فوق ذلك إتقان الأسبانية أوالفرنسية أوالبرتغالية أوالروسية أو خليط منها وكثير غيرها. كان يندر أن أجتمع بمجموعة من الطلاب دون أن أجد بينهم إتقانا كاملا للعديد من تلك اللغات. ونتج عن ذلك إن شخصيات الطلاب وثقافاتهم أصبحت عالمية بمعني الكلمة، والحدود بين الدول والشعوب هي بالنسبة لهم فعلا “تراب”.
    وموازاة لكل ذلك كنت أتذكر دائما دافعنا الوحيد لتعلم اللغات الأجنبية: من تعلم لغة قوم أمن مكرهم.
    تبا لنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *