قضايا خاسرة، إيلون ماسك و أشياء من هذا القبيل

لسلافوي جيجك، المفكر الماركسي الشهير، كتاب إسمه (دفاعاً عن قضايا خاسرة In defense of lost causes). يقول جيجك أنه في الماضي، كانت هناك عبارة لاتينية شهيرة تقول (لقد تكلمت روما، حسمت القضية Roma locuta; causa finita est)، و هي تعني أن الكنيسة قالت رأيها في موضوع ما بالتالي فالنقاش تم حسمه. في الزمن الحالي، هناك أشكال شبيهة من حسم النقاش هي (لقد أصدرت اللجنة المركزية للحزب قرارها – عادة يقصد بها الحزب الشيوعي) و هناك أيضاً (لقد صوتت الجماهير في الإنتخابات بكذا).

القضايا التي إنتصرت اليوم هي الرأسمالية بكل ما يصحبها من أفكار و مباديء، و من ضمنها البعد عن التنظير المعقد و الميل للأفكار السهلة البسيطة، و القضايا التي خسرت هي الماركسية و اليسارية و كل التنظيرات العميقة الراديكالية. 

في المقابل فإن دفاع جيجك قائم علي أن يعرض المنطق ذاته وراء هذه القضايا و يترك المنطق نفسه يتكلم، بعبارة أخري هو سيفعل نفس ما فعله عشرات من قبله و لم يشفع لهم ما فعلوه، من منطلق أن هذا هو ما يجيده و لأنه لا يملك حيل أخري. بفرض أن المنطق الماركسي/ اليساري / التنظيري العميق / القائم علي التحليل النفسي هو منطق بلا ثغرات، فمن قال أصلاً أن الناس يحركهم المنطق؟ من قال أن كونك تعرض كلاماً منطقياً كافي لأن تنتصر قضيتك؟ في رأيي هذا تطبيق للمثل الشهير (إن كانت الأداة الوحيدة في يدك هي الشاكوش فإن كل شيء يتحول في نظرك لمسمار)، و هي مشكلة كل الأشخاص التنظيريين أو المفكريين بما فيهم كاتب هذه السطور.

لنعطي تعريفاً سريعاً عن إيلون ماسك. إن كنت تعرفه فإصبر معي لبضعة سطور.

إيلون ماسك شخص رأي أن علينا أن نغير من أسلوب حياتنا كبشر و إلا فإننا سنفني، و التغيير الذي يراه مهماً يسير في إتجاهين رئيسيين: التوقف عن إستخدام وسائل الطاقة غير المتجددة بسبب كل ما تسببه من مشاكل مناخية و بيئية، و التجهيز لمغادرة الكوكب و بدء تأسيس حياة للبشر علي كواكب أخري.

لا بأس، ليس أول من يهتم بهذه القضايا.

اليوم إيلون ماسك هو مدير و مؤسس شركة تسلا، التي تنتج السيارات الكهربائية الشهيرة، و التي تنبأ لها الكل بالفشل هندسياً و إقتصادياً و تحدت تحليلات الجميع علي مدي سنوات، و هو مؤسس شركة سولار سيتي، التي تنتج أسقف البيوت المزودة بخلايا توليد كهرباء من الطاقة الشمسية (و التي إندمجت مع تسلا مؤخراً) و شركة سبيس إكس التي تقوم بتوصيل الطرود للفضاء، و الطرود هي شحنات ترسلها الأرض للمحطة الفضائية الدولية أو أقمار صناعية يرسلها أحدهم لتدور حول الأرض. ناسا عميل عند هذه الشركة و جدول الطرود التي سترسلها الشركة للخارج مشغول لسنوات قادمة، بالتالي إن كان عندك شيء تود إرساله لإبن خالتك في الفضاء الخارجي فإن عليك أن تبحث عن شركة غيرهم.

الكثيرين إهتموا بقضايا البيئة و هجرة الإنسان لخارج الكوكب، و الكل كان يتبع إسلوب تكوين جماعات ضغط و القيام بمظاهرات، الكلام التنظيري، تمويل الأبحاث. إيلون ماسك أخذ الأمور للجانب الرأسمالي: إن كان عليك أن تغير من تفكير الناس فلتعطهم منتج يحبونه، و علي الهامش سيكون تأثير هذا المنتج أن تغير من سلوكهم. بالتالي سيارات تسلا لا يسوق لها علي أنها سيارات كهربائية فقط، بل هو يتكلم عن أدائها، سرعتها، القيادة الآلية، فخامتها، الخ. كل هذه الأشياء حتي إن شملت إنجازات تكنولوجية عجز عنها منافسين كثيرين (مثل القيادة الآلية) إلا أنها ليست أساس تفكيره ولا هدفه الرئيسي، هذه أشياء وظيفتها التسويق للسلعة. الهدف الرئيسي هو أن يتوقف الناس عن إستخدام البترول، و هو أثر جانبي لإنتشار مثل هذه السيارات و محاولة المنافسين لمجاراته عندما ينجح و هو ما يحدث بالفعل.

إيلون ماسك يتبع السياسات الرأسمالية المعتادة، بالتالي شركته عندها جيش محاميين يجد ثغرات في القانون تسمح له بأن يفعل ما لا يفعله سواه (مثل أن يبيع للمستهلك مباشرة متجاوزاً محلات بيع السيارات – الأجانسات كما نسميها في مصر – و هو شيء ممنوع في أمريكا إلا أن ماسك يفعله إعتماداً علي ثغرة في القانون، و عندما تقاضيه الدولة و أصحاب محلات السيارات فإن جيش محاميه يسحقهم في المحاكم)، إيلون ماسك يرفد مساعدته في سبيس إكس عندما طلبت رفع مرتبها بعد أن عملت معه لسنوات لساعات طويلة أسبوعياً لأنه وجد أنه يستطيع الإستغناء عنها، إيلون ماسك يرهق موظفيه بساعات عمل طويلة و يضغط علي أعصابهم عموماً بشكل دائم، الخ. أي سياسة رأسمالية تعرفها تشتهر بها الشركات الكبري، سواء كانت إيجابية أو سلبية فإن إيلون ماسك يقوم بها غالباً و يقوم بها بكفاءة.

المثير أن إيلون ماسك حين بدأ يحلم بهذه الأشياء، و برغم من أنه كندي إلا أنه أدرك أن أحلامه هذه لا يمكن تحقيقها في كندا، بالتالي إنتقل لأمريكا في شبابه المبكر و حصل علي الجنسية الأمريكية. بالتالي هو إنتقل من دولة تتعاطف سياستها مع البيئة و تحاول أن تراعيها لأكثر الدول تلويثاً للبيئة في العالم من أجل أن يحقق حلمه القائم علي مراعاة البيئة ! و لقد فعل هذا لأن أسلوب تنفيذ أحلامه الذي رآه مناسباً هو الأسلوب الرأسمالي بالتالي كان إنتقاله لأمريكا سببه أنها أكثر رأسمالية من كندا بكثير.

سواء إقتنعت أن نجاح إيلون ماسك سيستمر أو ستنهار شركاته يوماً ما، فإن ما فعله حتي الآن تأكيد علي القضية الناجحة، تأكيد علي أن الرأسمالية بكل ما يصحبها من مباديء و أساليب هي الأسلوب الناجح، ليس فقط لتحقيق الثروة و النفوذ إلي آخر هذه الأشياء التي يتكلم عنها من يرفضون الرأسمالية، بل حتي لتغيير البيئة و تحقيق الأحلام العلمية !

إقرأ أيضاً:

3 comments to قضايا خاسرة، إيلون ماسك و أشياء من هذا القبيل

  1. يقول هشام:

    تعديل بسيط قد يكون غير مهم , إيلون ماسك جنوب افريقي من ام كندية واب ولد في جنوب افريقيا ايضا, تعليمه الاساسي كان في جنوب افريقيا و التحق بالجامعة في كندا ثم حول لجامعة بينسلفانيا.

    اما بخصوص صلب الموضوع فانا اتفق معك. دائما ما نتخيل ان الاشخاص الناجحين و المبدعين هم مثال للاستقامة و الاخلاق لكن الامر ليس له علاقة بالحقيقة من قريب او بعيد , فمثلا اديسون كان محتالا يستغل ابداع موظفيه وينسبه لنفسه و انيس منصور كان غيورا من نجاح كل معاصرية. بل بالعكس ربما يكون استعداد الاشخاص الناجحين لممارسة افعال قبيحة او غير اخلاقية حتي هو ما يمنحهم افضليه علي نظرائهم المثاليين او غير الواقعيين.

  2. برمجيات المصادر المفتوحة فرضت نفسها على الرأسمالية بدون ان تلجأ لاستخدام سلبياتها

  3. انا من معجبي مقالاتك واتابعها بشغف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *