العدد في الليمون
حكي أحمد رجب أن مصطفي أمين أعطاه مقالاً لأحد الكتاب الكبار ليختصره قبل نشره في أخبار اليوم. بعد نشر المقال ثار الأديب لأن مقاله تم إختصاره فقام مصطفي أمين بإجراء تمثيلية أمامه، قام فيها بإستدعاء أحمد رجب و أخبر الأديب أن هذا هو الشخص المسئول عن هذا الخطأ الشنيع. قام مصطفي أمين بتوبيخ أحمد رجب ثم قال له في النهاية ( إنت مرفود). هنا رق الأديب و حاول أن يهديء من غضب مصطفي أمين لكي لا يتحول الموضوع إلي قطع عيش و لكن مصطفي أمين تمادي في التمثيل و أصر علي رفد أحمد رجب.
بعد إنصراف الأديب و هو آسف لما تطورت إليه الأمور إستدعي مصطفي أمين أحمد رجب و سأله عن الحجم الذي إختصر المقالة له. قال له أحمد رجب أنها كانت عشر ورقات فولوسكاب قام هو بإختصارها إلي سبعة، هنا ثار مصطفي أمين ثورة حقيقية لأن هذه المقالة كان يكفيها أن تختصر إلي خمس ورقات فقط !
كان لمصطفي أمين مبدأ هام هو أن يختصر الصحفي المقال و القصة و الخبر حفاظاً علي وقت القاريء، خاصة في ظل المنافسة العنيفة من وسائل الإعلام الأخري مثل الراديو و التليفزيون التي يمكنها أن تقدم للمستمع أو المشاهد الخبر مختصراً مركزاً. لابد من إحترام وقت القاريء و الإرتقاء لمستوي المنافسة الذي تقدمه وسائل الإعلام الأخري. الأديب الذي كتب المقال كان من العهد الذي كانت فيه المقالات تملأ عدة صفحات في الجريدة و لم يكن ليقتنع برأي مصطفي أمين لذا كان لابد من إجراء تمثيلية رفد أحمد رجب للحفاظ علي مبدأ إحترام وقت القاريء و في نفس الوقت عدم إغضاب الأديب.
لم يعد أحد يحترم وقت القاريء أو المتلقي اليوم. ربما لم تعد هناك الكثير من المقالات الضخمة و لكن الزيادة الآن هي زيادة في العدد. الوسائل الإخبارية تمطر القاريء بالكثير من الأخبار التي يكون الكثير منها غير مهم بالنسبة له. علي سبيل المثال ما أهمية أن يعرف القاريء العربي بخبر تحطم طائرة شحن روسية؟ هذا الخبر كان منشوراً علي موقع الجزيرة منذ بضعة أيام و هو نموذج للأخبار عديمة الأهمية التي تغرق وسائل الإعلام اليوم.
الأمر ليس جديداً فقد إنتقده جلال أمين منذ بضعة أعوام، بالتالي أنا لم آت بما لم يأت به الأوائل، و لكن المشكلة تضخمت و إمتدت إلي كل وسائل الإعلام تقريباً و لم تعد تقتصر علي الوسائل الإخبارية فقط. هناك كثرة في كل كل شيء و أي شيء بغض النظر عن أهمية و قيمة ما يقدم.
علي مستوي المقالات فإني أعجب لأولئك الذين يكتبون مقالات في الجرائد بشكل يومي. لا يمكنك أن تأتي بجديد أو حتي تكتب مقالاً جيداً كل يوم. بالتالي لابد لأولئك الذين يكتبون مقالات يومية أن يكتبوا مقالات متوسطة أو سيئة. المشكلة أن البعض منهم قد يكتب مقالاً جيداً في يوم من الأيام لذا يكون علي القاريء أن يتابع المقالات يومياً علي أمل أن يكون مقال اليوم هو مقال ذو قيمة أو يحمل شيء من الفكر و إلا شعر بأن هناك إحتمال أن يفوته شيء ذو قيمة.
في الأدب كل يوم يمكنك أن تجد كتاباً جديداً. الكثيرون شككوا في الإنترنت و المدونات من منطلق أنها وسيلة لكل من هب و دب ليكتب مقالاً و قصصاً و ينشر رأيه،بالتالي لابد أن تحتوي الكثير من الهراء، و ستظل قوة وسائل الإعلام القديمة (الكتب، القنوات التليفزيونية) في أنها تقدم محتوي إحترافي محترم. للأسف الأمر الآن صار متشابها علي الجانبين. كل يوم أنزل فيه إلي المكتبات يمكنني أن أجد كتباً جديدة نشرها أشخاص لم أسمع بهم من قبل. هذه ليست مشكلة، لابد من شخص ما يقدم المواهب الجديدة و كل أديب أو كاتب كان في يوم من الأيام كاتباً غير معروف. المشكلة أنني حين أقرأ الكتاب أجد أنه هراء، ضياع للوقت و المال، و أخرج بسؤال واحد بعد نهاية الكتاب: من الذي سمح لهذا الشخص بالكتابة من الأساس؟
هناك إتجاه عام لدي الناس في السنوات الأخيرة هو عدم التفرقة بين ما هو متاح و ما هو مرغوب. يمكننا أن ننتج موبايل به كاميرا عندها يهرع الجميع لشراؤه و يصير مرغوباً دون أن يتوقف أحدهم ليسأل نفسه عن ما إذا كانت الكاميرا تستحق فرق السعر بين الموبايل ذو الكاميرا و الموبايل الذي ليست به كاميرا وما إذا كان بالفعل بحاجة للكاميرا. نفس الشيء في وسائل الإعلام، الآن يمكننا أن ننقل خبر تحطم الطائرة الروسية للقاريء في الوطن العربي بعد وقوع الخبر بثوان فلننقله إذاً. يمكننا أن ننشر كتباً لكل من تقدم بأوراق عليها كلام بتكلفة مادية بسيطة لذا فلننشر لكل من هب و دب كتباً و يمكن لأي شخص أن يقدم نفسه للناس بإعتباره “الكاتب فلان الفلاني”. إن نجح الكتاب يمكننا أن نطرح منه عدة طبعات أخري بها و إن لم ينجح فلم نخسر كثيراً.
القوالب الجاهزة
كثرة الهراء الذي تقدمه وسائل الإعلام و سهولة النشر هي أحد الأسباب التي تؤدي إلي وقوع الكثير من المقالات و الكتب في قوالب جاهزة مسبقاً، أغلبها الكتابات و المقالات الإجتماعية و السياسية التي تنتقد الوضع القائم سواء إجتماعياً أو سياسياً. نقد الأوضاع الخاطئة عظيم و لكن كل المقالات تقول نفس الشيء تقريباً بدون أن يتطرق أحدها إلي تحليل الظواهر بشيء من العمق أو طرح حل جديد غير مسبوق، فقط هو يقول كل ما قاله الآخرون من قبله و يشعر بعدها أنه قد أدي واجبه كصحفي أو كاتب.
دعك من موجة الإستظراف التي تسود الكتابات اليوم، و فيها يحاول أي شخص أن يستظرف بطريقة لا تختلف كثيراً عن طريقة المراهقين علي المقاهي يوم الخميس ليلاً، و يتم التعامل معه بعدها علي أنه الكاتب الساخر و تعقد له الندوات التي يؤمها الناس للتمتع بحكمته و آراؤه الأدبية و الإجتماعية الهامة. المقالات غير مضحكة و مكررة و لا تقدم أي فكر من أي نوع و بعد قرائتها تخرج بشعور أن نصف مراهقي و شباب مصر يمكن أن يطلق عليهم إسم الكاتب الساخر لو قام كل منهم بتفريغ حواراته مع أصدقاؤه علي المقهي في كتاب.
ذات مرة قرأت الفكرة العامة لإحدي روايات العصابات، الفكرة هي أن بطل القصة جلس ذات مرة في بار، جلس بجواره أحدهم ثم تدريجياً إنخرطا في حوار سوياً. عندما تأهب الرجل للإنصراف أعطي بطل القصة مظروفاً مغلقاً و قال له “أقتلها دون أن يبدو الأمر كحادثة، لا داعي لهذا” ثم إنصرف قبل أن يفهم البطل ما المقصود بالموضوع بالظبط. فتح البطل المظروف ليجد مالاً و صور لإمرأة لا يعرفها و بيانات هذه المرأة. لقد كان الرجل ينتظر قاتلاً أجيراً و ظن خطئاً أن بطل القصة هو القاتل الأجير. فجأة يجد البطل شخص يشببه يدلف إلي البار. إنه القاتل الذي كان علي موعد مع الرجل الغريب. القصة تدور حول محاولة البطل أن يعرف من هذه المرأة و من الذين يرغبون في قتلها و لماذا و محاولة النجاة بنفسه بعد أن صار (يعرف أكثر من اللازم).
هذه القصة مثال للأفكار الرائعة الجديدة التي أجدها في الأدب الغربي ولا أجدها في الأدب العربي. أي قصة يمكن تقسيمها إلي فكرة و معالجة، و عادة ما تكون الأفكار الجديدة في الروايات الغربية و الأفكار المتكررة في الروايات العربية. معظم الرويات العربية روايات إجتماعية أو سياسية و كلها تقريباً تخلو من أي فكرة جديدة أو مبتكرة علي الرغم من القصص الجديدة التي تصدر كل يوم تقريباً.
دعك من الألفاظ الخارجة و المشاهد الجنسية التي يندر أن تجد قصة تنشر اليوم دون أن تمتليء بها، حتي وصل الأمر أن أحد الكتاب الجدد كتب علي الغلاف الخلفي لكتابه أن الذين لا يخطئون ولا تخرج من أفواههم الألفاظ النابية ليسوا آدميين لأنهم لم يخطئوا و لم يواجهوا الله سبحانه و تعالي و هم خجولين مما إقترفته أيديهم. أنا أتفهم أن المرء حين يري شخصاً جيداً يحاول أن يأخذه قدوة، دعك من أن كل إبن آدم خطاء، و لكن هذا كاتب يقدم للقاريء مبرراً لكل القاذورات التي ستجدها في كتابه. بالطبع تصفح سريع للكتاب يريك كم لا بأس به من الألفاظ الخارجة و المشاهد الجنسية.
لن أناقش هنا فكرة المشاهد و الألفاظ الخارجة في الأعمال الأدبية، هذه نقطة إختلف عليها الناس و الكثيرون قد يرفضوا رأيي أو يرفضوا الخلفية الدينية التي سأتحدث منها و لكن من الغريب أن هناك شبه إجماع في الكتابات المنشورة مؤخراً في مصر علي هذا الإتجاه بإستثناء قلة مندسة. حتي في أمريكا بكل ما فيها من إنحراف فكري و عقائدي، هناك كتاب يرفضون المشاهد الجنسية و الالفاظ الخارجة في كتاباتهم بناء علي خلفيتهم الدينية، ربما كانت أشهرهم هي ستيفاني ماير مؤلفة سلسلة الشفق Twilight التي تضع شخصياتها في إطار من التدين و رفض الجنس خارج الزواج و رفض شرب الخمر، الخ فلماذا لم يظهر هنا كاتب وسط سيل الكتاب الذين يمطروننا بكتاباتهم ممن يتبع إلتزاماً دينياً في كتاباته؟ هل المصادفة فقط هي السبب أم أنها فكرة القوالب الجاهزة التي يمكن لكل من يضع كتاباته فيها أن ينشرها في أي دار نشر؟
هل لو تم رفض الكتابات الرديئة أو متوسطة المستوي قد يؤدي هذا إلي محاولة الكتاب تحسين كتاباتهم أو ظهور أشكال أخري من الكتابات أو مواهب جديدة بدلاً من أن يجد مدمني القراءة من أمثالي أنفسهم أمام حل من ثلاثة : قراءة كتب أجنبية (عليها القيمة) أو التوقف عن القراءة إلا عند صدور عمل جيد كل مائتين و خمسين عام أو قراءة ما يطرح في المكتبات من منطلق (هو ده الموجود).
الفلترة
الإقتصادي الشهير جون مينارد كينز قال “إن الناس في الماضي كانوا ينشغلون بكسب الرزق و لكني أعتقد أن أحفادي سينشغلوا بكيفية ملء وقت فراغهم”. كان يقصد أن الإنسان بسبب وسائل الإنتاج الحديثة قد صار لديه وقت فراغ أكثر من الماضي و تدريجياً يزيد وقت فراغ الإنسان. أنا أشعر أن الكثير من وقت الفراغ هذا يقضيه المرء في إستخلاص كل ما له قيمة من بحر الهراء الذي تغرقه به وسائل الإعلام. مواقع مثل جودريدز أو ريدت هي مواقع للتخلص من الهراء، مواقع يحاول المرء عن طريقها أن يبحث عن ما يستحق فعلاً أن يُقرأ أو يُشاهد و يفلترها من وسط الكتب و المقالات التي تنشر يومياً. هذا مجهود يجب أن يقع علي عاتق دور النشر أو وسائل الإعلام عموماً إلا أن مبدأ الفلترة قد تلاشي من أولويات هؤلاء حالياً.

Lamiaa بتاريخ 05 Nov 2009 في 12:58 pm #
أحيانا ينتابني حنق ما عندما أجد من يلخص احد ارائي , وبالأخص عندكا تكون بصورة مرتبه كهذه
بالفعل مصطلح ” الادب الساخر” المعاصر أصبح بلا معالم حقيقه , اجمع اكبر كم من الافاظ النابيه والتعبيرات السوقيه , فتصبح اديب ساخر تتكلم بلسان الشعب وتنقل نبض الشارع .. ولا استثني من هذا من يعتبرهم البعض ” ادباء كبار” .
أما عن المشاهد الجنسيه , فان لم نتناولها بمعايير الدين والقيم ( وهما أقوم المعايير قاطبة ) فحتي بالنظر لهذه المشاهد في اطار درامي , تجدها لا تضيف شيئا للقصة سوي الكثبر من التطويل الممل .
بالاضافه الي العدد ” اللي في الليمون ” , فان انهيار القيم الدينية والاخلاقيه للمجتمع كله لها بلا شك يد في هذا الوضع . فانهيار هذه القيم لدي دور النشر هو ما أشرت اليه في تساؤلك : هل المصادفة فقط هي السبب أم أنها فكرة القوالب الجاهزة التي يمكن لكل من يضع كتاباته فيها أن ينشرها في أي دار نشر؟
وانهيارها لدي المتلقي ( من مختلف فئات الشعب ) كان سببا لرواج هذه الكتابات , مما دفع المزيد من ال ” كتاب ” لانتاج المزيد من الهراء تنشره دور النشر لتحقق المزيد من المكاسب الماديه والمزيد من الانحطاط الاخلاقي … دائرة مفرغه
اسباب الانهيار تعرض لها الرائع “فهمي هويدي ” في احدي مقالاته ( الاسباب السياسيه منها علي وجه الدقه) , ربما تتناولها في مقال اخر منمق من مقالاتك
كل التحيه
محمد عادل بتاريخ 05 Nov 2009 في 7:52 pm #
أعتقد أن بعض اسباب الإنهيار الأخلاقي السياسية قد ذكرها فهمي هويدي في كتاب القرآن و السلطان. عموماً المقال الذي تتحدثين عنه لم أقرؤه و سأبحث عنه إن شاء الله.
.
و شكراً علي المعلومة
سامح حجاج بتاريخ 06 Nov 2009 في 6:36 pm #
مقال جميل و عميق كما عودتني منك، جزاك الله خيرا
أرى أن الأمر له عدة زوايا:
أولها: الانحدار العام الذي نعانيه، في الفكر و الثقافة و الأخلاق، مما ينعكس مباشرة على الأدب في صورة كتابه و متلقيه.
ثانيها هو فقدان الهدف و الرؤية في الحياة، أو فقدان الهوية، نحن نعاني من انعدام الأيديولوجية، و فكرنا الحالي هو مزيج ممسوخ من الأفكار و العادات الموروثة، و فكر ديني ضحل و مغلوط، و ثقافة غربية غازية و مقتحمة لثقافتنا، مما ينعكس أيضا على المعنى و القيمة لأي شيء يكتب، فإن فقد الكاتب الهوية و الاتجاه، يصبح أي شيء يكتبه لا معنى له بالنسبة لذوي الألباب الذين يبحثون عن المعاني العامة و الكلية و الأفكار الجديدة البناءة.
ثالث هذه الزوايا من رأيي هو التناقض الذي نعانيه ما بين حقيقتنا و ما نتصور أنه من المفروض أن نكونه أو نقوله، أو نصح أن نكونه و نقوله، نحن نعاني من خزي من حقيقتنا و إنكار لها، في حين أن أول خطوة لإصلاح أنفسنا و مجتمعنا هو الاعتراف بهذه الحقيقة و التحدث بلسان حالها، و هذا عكس ما تفعله المجتمعات المتقدمة التي تغزونا بثقافتها، فهي تعترف و تقر و تعبر عن حقيقتها، بما فيها من قبح، و بما فيها من تزيين و تجميل أحيانا، و لذلك لا تجد كاتبا أمريكيا أو مؤلفا أو مخرجا أو ممثلا، يشعر بالحرج أن يقول مثلا fuck, ass, shit, whore,….. عند التعبير عن هذه الحقائق، و باللغة العادية التي يتكلمها الناس العاديين، و من ثم يكتسب مصداقية عالية عند من يسمعه، لأن هذه هي اللغة التي يتكلم بها، فيصدقها، و قد درست ذلك تحت باب Attitude change أثناء دراستي لمادة علم النفس كجزء من ماجستير الطب النفسي، أن لغة المعلم أو الطبيب أو الشخص الذي يريد تغيير شيء ما في الآخرين أو في مجتمعه، لا بد و أن تكون قريبة و مفهومة منهم، و كذلك هيئته و شكله و لغة حواره، و أذكر في نفس الإطار أنه نسب للشيخ القرضاوي قولا يتعلق بتفسير الآية “رسولاً منهم” أنه يرى فيها معانٍ كثيرة أكثر من مجرد المواطنة مثلا، أنه منهم، من نفس كلامهم و تفكيرهم و ثقافتهم و و و ، و من هنا فأنا أرى أنه يجب علينا ألا نستحي من ذكر نفس هذه المصطلحات التي تعبر عن أشياء حقيقية قبيحة، أن نعبر عنها في الأدب و في السينما بنفس اللغة التي يستخدمها الرجل العادي في مصر، و نفس الكلمات التي نعرفها كلنا، و يستخدمها الأغلبية الساحقة منا في التعبير عن هذه المعاني و الأشياء، و لولا أن أسبب لك حرج، لذكرت الترجمة العامية المصرية المعروفة لكل الكلمات التي ذكرتها بالأعلى، و لأضفت عليها.
و أنا هنا لا أدعو إلى نقل أسوأ ما في الواقع بكل تفاصيله، أو تصوير مشاهد جنسية مبالغ فيها بغرض الترويج لها أو حتى نقل أشد أوجه الواقع قبحا، و لكني أدعو إلى احترام عقلية المشاهد و القارئ.
يذكرني هذا بكتاب خفيف و ظريف قرأته قريبا ليوسف معاطي، اسمه كلام أبيح جدا، و يتعرض لهذا التناقض اللغوي في أول الكتاب فقط، ثم بعد ذلك يحكي مواقف تجسد التناقض الأخلاقي عامة، في أول الكتاب يحكي أنه كان عند حمدي سرور مدير الرقابة بسبب بعض كلمات كتبها لم يوافق عليها الرقيب، ثم يقول:
“و فجأة بينما نحن نتصارع على بعض الجمل.. و بعض المشاهد.. دخل يوسف شاهين مستاءاً منفعلاً كطفل أخذوا منه لعبته.. و قال لحمد سرور: بوظتولي الفيلم.. أنا.. أنا.. أحسن لي أسيب البلد دي خالص.
ابتسم حمدي سرور و قال له أقعد بس يا جو.. أقعد بس.. زعلان ليه؟
قال يوسف شاهين شاكياً..موجهاً كلامه لي برغم أنه لا يعرفني:
-تصور حضرتك..شالولي الشخرة اللي في الفيلم!! البطل بيشخر و مفيش أي حاجة ممكن يعملها غير أنه يشخر.. يرضيك إنهم يشيلوا الشخرة؟
و تركت مكتب مدير الرقابة و أنا أفكر..
ما الذي يجعل الشخرة شيئاً قبيحاً؟! إنها صوت يصدر من الأنف و الفم معاً، ينم عن استهجان الشاخر لما يسمع أو لما يرى.. حالة من حالات التعبير الإنساني يُقال إنها موطنها الأصلي الإسكندرية ثم صارت سائدة في القطر المصري كله.”
و هي في رأيي وجهة نظر قوية
سامح حجاج
محمد عادل بتاريخ 08 Nov 2009 في 4:41 am #
أهلاً يا سامح
بالنسبة للتعبير عن الواقع بكل ما فيه من ألفاظ خارجة فهناك فارق بين الطب النفسي و الأدب أو السينما. في الطب النفسي لابد من المصداقية التي يكتسبها الطبيب أو المعلم، لا جدال علي هذا.
و لكن هناك نقطة هامة في الأدب و السينما هي أنك لا تعرف من المتلقي. حين تحادث شخصاً من بيئة منحدرة فربما كان أدعي لإكتساب المصداقية عنده أن تستخدم بعض الفاظه حتي تكتسب مصداقية لديه ثم تغير من أفكاره و مبادؤه، و لكن في السينما قد يكون المشاهد طفلاً لا يدرك أن هذه الفاظ سيئة تقدم في إطار شخصية سيئة، قد يكون إمرأة يسؤها أن تسمع أو تقرأ مثل هذه الألفاظ، قد يكون مراهقاً (و المراهقين أحياناً ما يعجبون بالشخصيات السيئة مثل رجال العصابات)، الخ. بالتالي بالنسبة للبعض قد يصير الأمر مع التكرار نوع من الإقرار بهذه الألفاظ السيئة و يتحول الأمر إلي نوع من (تطبيع الرذيلة).
لو قارنا الضرر المحتمل مقارنة بالمكسب (المصداقية في تصوير الشخصيات) فإني أري أن الضرر أكبر بكثير من المكسب. دعك من أني أري أن المرء يمكنه في كثير من الأحيان أن يعبر عن ما يريد أن يقوله بأساليب نظيفة، مثل رواية يوتوبيا لأحمد خالد توفيق و مشهد الإغتصاب (النظيف) فيها. هنا نقل الكاتب عالماً مقززاً دون أن يستخدم مشاهد مثيرة و علي الرغم من هذا وصلت الرسالة كاملة للقاري. إستخدام النقط (…….) بدلاً من الفاظ السباب الفاحش كافية لتوضيح المعني بل و قد تحتوي رسالة اخلاقية خفية للقاريء أن هذه الفاظ لا يصح للمرء مجرد التلفظ بها.
بالنسبة للأفلام الأمريكية مثلاً هناك تقييم ال MPAA الذي يقيم الفيلم بناء علي الألفاظ التي تظهر فيه و المشاهد التي يظهر فيها تناول الكحوليات و المشاهد الجنسية، الخ، بالتالي يمكن للمرء أن يحدد إن كان مناسباً لطفل أو مراهق أو أمرأة مشاهدة فيلم مثل هذا أم لا. بالإضافة لعدم وجود مقياس مثل هذا في مصر و عدم خضوع الكثير من الروايات (حتي الغربية منها) لمقياس مشابه، فإن هناك مشكلة الإنترنت و سهولة الوصول لكل الكتب و الأفلام من المكتبات و الدش و الإنترنت. لا يمكن للأبوين وضع رقابة دائمة علي كل ما يقع في يد أبناؤهم خاصة المراهقين منهم و لابد أن تتسلل لعالم هؤلاء الكثير من الألفاظ و المفاهيم السيئة.
حين تحدث علماء تربية عن وسيلة التعامل مع مثل هذه الأشياء التي لابد أن تقتحم عالم الأطفال كان رأيهم أن يتم تعليم الأطفال نقد ما يرونه لأنه ببساطة لا يمكن منع هذه الأشياء من إقتحام عالمهم في الزمن الحالي. هذا رائع و لكن تعليم و تنمية ملكة النقد عند الأطفال ليس سهلاً خاصة مع السن الصغير.
دعك من أن الكثير من الألفاظ و المشاهد و العادات السيئة لا توضع في إطار أنها أشياء سيئة، بل أحيانا ما يقوم بها بطل الفيلم الذي يكتسب تعاطف الجمهور و أحيانا توضع في إطار أنها أشياء عادية يقوم بها البشر العاديون بلا مشكلة و يتحول الموضوع إلي تطبيع متعمد للرذيلة، و هذا هو الوضع الغالب في أغلب الأعمال الأدبية و السينمائية للأسف.
Ahmed Nasr بتاريخ 11 Nov 2009 في 4:15 pm #
أعتقد أن هذه الحالة من الحرية، سواء في المدونات أو النشر الورقي، هي أمر إيجابي وليس العكس، فهدر الوقت هو ربما يكون الثمن العادي لحالة الحرية المطلقة في الكتابة والنشر بعيدا عن قولبة الثقافة وفق معايير (بعض) المتحكمين في المنابر الاعلامية، وهم ليسوا بمنأى عن أن يكونوا تافهين أو فارغي المحتوى أو يفتقرون إلى الابداع وغير ذوي كفاءة إلا موالاتهم لنظام ما أو قالب معين تريد السلطة السياسية إقراره، خاصة في ظروف منطقتنا العربية (وليس هذا استثناء لغيرها)..
أعتقد أن صرف بعض الوقت في فلترة المحتوى وفق معاييري الخاصة هو أفضل بكثير من أن ينتقي لي البعض ما يجب أن أعرف ومالا يجب، ما يجب أن أقرأ وما لا يجب، وما يجب أن أؤمن به وما لا يجب..
شكرا لك..
محمد عادل بتاريخ 11 Nov 2009 في 6:27 pm #
و لماذا يجب أن يكون الوضع إما الفوضي التامة في النشر أو التحكم من قبل بعض الأشخاص؟ حين أنتقد شخصاً لأنه لا يعمل و يتفرغ للصلاة و التعبد في المسجد فلا يجب أن يقول لي (هناك آخرون لا يصلون من الأساس). كلا الفريقين خطأ، و ليس معني رفضنا لفريق أن نقبل الآخر.
Ahmed Nasr بتاريخ 14 Nov 2009 في 1:27 pm #
لأنه لا يوجد حلول وسط يا أخ محمد عادل فيما أعلم
إما أن يسمح لك كما يسمح لي بالنشر، وإما أن نجعل شخصا ما يحدد من له صلاحية النشر من عدمه
وإلا فأي معايير مهنية أو علمية أو عملية مزعومة فهي آداة كأروع ما يكون للتحكم في الآخرين، أفكارهم وما يحق لهم معرفته مما لا يحق
مروان بتاريخ 16 Nov 2009 في 8:18 pm #
عندك مشكلة خطيرة جدا في مقالاتك يا محمد دائما أشعر أن الباب أغلق على اصبعي في نهاية المقالة كتعبير أقل تهذيبا أشعر أنك سرقتني !
دائما أشعر أن المقالة قد بترت في نهايتها بيت شعر كامل ينقصه اخر كلمة كي تتحق القافية
تابع
محمد عادل بتاريخ 23 Nov 2009 في 5:02 am #
عادة انا لا أجيد إنهاء المقالات، اشعر أني إٍستعرضت ما لدي من أفكار ولا توجد نهاية أخري إلا أن أكتب ال (إستتنتاج) أو (التوصيات) كما يدرسون في مادة (كتابة التقارير الفنية) علي سبيل الحفاظ علي الشكل بدون مضمون إضافي و هو ما إن فعلته فسأشعر أني باشكاتب من الذين يملئون الكلية عندنا.
أو جايز الموضوع عايز حد محترف ادبياً شوية و انا زي ما إنت عارف راجل (بوروجرامر) بيكتب علي سبيل الهواية.